حق رقمي لا يحتمل المماطلةفي زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا العمود الفقري للحياة الحديثة، لم يعد الإنترنت خدمة إضافية أو رفاهية إختيارية، بل تحول إلى حق أساسي من حقوق الإنسان في العصر الرقمي، ووسيلة حتمية للتعليم والعمل والوصول إلى الخدمات والمشاركة المجتمعية.
فالإنترنت بالنسبة لذوي الهمم ليس مجرد أداة إتصال، بل شريان حياة ومسارًا رئيسيًا لتحقيق الإتاحة والإستقلال والكرامة الإنسانية.
لقد أضحت التكنولوجيا اليوم بوابة رئيسية لكسر العزلة، وتجاوز العوائق المادية، وتمكين ذوي الهمم من التعلم عن بُعد، والعمل الإلكتروني، والوصول إلى الخدمات الحكومية والصحية والثقافية.
ومن ثم، فإن حرمانهم من إنترنت ميسر أو تحميلهم أعباء مالية مضاعفة يُعد إقصاءً رقميًا يتعارض مع القوانين ومبادئ العدالة الإجتماعية.
ورغم إعتراف الجهاز القومي للإتصالات بأحقية ذوي الهمم في تخفيض أسعار باقات الإنترنت بنسبة 50%، فإن عددًا من شركات الإتصالات لا يزال يتباطأ في تنفيذ هذا الحق، في تجاهل صريح لروح التشريعات الوطنية، والمواثيق الدولية، والإلتزامات الأخلاقية تجاه فئة تستحق الدعم لا التهميش.
إن هذا التباطؤ لا يمكن تبريره بإعتبارات تجارية أو حسابات ربحية، لأن تمكين ذوي الهمم رقميًا ليس مِنّة ولا تفضلًا، بل واجب قانوني ومسؤولية مجتمعية، خاصة في ظل إعتمادهم المتزايد على الإنترنت لتحقيق الإستقلال الإقتصادي، والتفاعل الإجتماعي، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
لقد أصبح الإنترنت اليوم وسيلة لتحقيق العدالة الرقمية، وأداة لتحرير الطاقات، ومنبرًا لإثبات أن الإعاقة لا تعني العجز، بل قد تكون دافعًا للإبداع والعطاء إذا توفرت البيئة الداعمة. ومن هنا، فإن المطالبة بإنترنت غير محدود وبأسعار عادلة ليست ترفًا إجتماعيًا، بل حق أصيل يستوجب التنفيذ الفوري لا التسويف.
إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفًا أكثر حسمًا من الجهات التنظيمية، وضغطًا مجتمعيًا وإعلاميًا أكبر على شركات الإتصالات، لضمان تطبيق التخفيضات المقررة، وتحويل النصوص القانونية من وعود مكتوبة إلى واقع ملموس يشعر به المواطن من ذوي الهمم في حياته اليومية.
فالإنترنت لم يعد مجرد خدمة رقمية، بل أحد أعمدة الحياة الكريمة، ومسارًا لتحقيق المساواة، وجسرًا نحو الاستقلال والاندماج الكامل. وتأخير هذا الحق هو في جوهره تأخير لفرص التعليم والعمل والتمكين، وإعاقة غير مبررة لمسار العدالة الإجتماعية.

